الابتكار المؤسسي
تزيد الشركات اليابانية من استثماراتها في «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»: من منافسة النماذج الفردية إلى منافسة في سيناريوهات التصنيع
تدرس فوجيتسو وأساهي كاسي ويوسكاوا إلكتريك الاستثمار في شركة الذكاء الاصطناعي الجديدة التي تقودها سوفت بنك، ما يدل على أن الشركات اليابانية تحاول توسيع المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مواقع التصنيع، عبر إعادة تشكيل المسار التقني ليكون في جوهره الروبوتات والبيانات الصناعية.
إحدى الإشارات الجديدة لصناعة الذكاء الاصطناعي في اليابان بدأت تبرز على مستوى رأس المال.
وبحسب ما أوردته وكالة كيودو، فإن فوجيتسو وآساهي كاسي وياسكاوا إلكتريك يدرسون الاستثمار في شركة جديدة تقودها سوفت بنك تُدعى Japan AI Foundation Model Development. وتشير المعلومات إلى أن هذه الشركات الثلاث تتوقع ضخ عشرات الملايين من الينات لكل منها، والتعاون مع الشركة الجديدة لدفع اتجاه يُسمى «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»: أي دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات وتطبيقه في بيئات التصنيع، بما يجعل الروبوتات على خطوط الإنتاج أكثر استقلالية.
هذه الرسالة تبدو ظاهريًا مجرد نية استثمارية لشركات، لكنها في الواقع تعكس تحولًا هيكليًا جارٍ في استراتيجية اليابان في مجال الذكاء الاصطناعي. فاليابان لا تعتزم ببساطة منافسة الولايات المتحدة والصين مباشرةً في حجم تدريب النماذج العامة الضخمة، بل تحاول، بالاستفادة من بيانات العمليات المتراكمة في قطاع التصنيع، ومن المنظومة المحيطة بالمعدات، ومن القاعدة الصناعية للروبوتات، أن تفتح مسارًا أكثر تمايزًا للذكاء الاصطناعي داخل المواقع الصناعية.
وهذا أيضًا هو الخيار الواقعي لصناعة التكنولوجيا اليابانية.
في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، حققت الولايات المتحدة والصين أفضلية واضحة في حجم النماذج، والاستثمار في القدرة الحاسوبية، ومنظومة المنصات. أما بالنسبة لليابان، فإن مجرد نسخ هذا المسار مكلف جدًا، وقد لا يفضي أصلًا إلى ميزة نسبية. وفي المقابل، تمتلك اليابان تراكمًا طويل الأمد في التصنيع، والفحص، والمعالجة الدقيقة، والأتمتة الصناعية، وتكامل الروبوتات، وهي قدرات ليس من السهل على شركات الإنترنت العامة أن تستبدلها بسرعة. إن إدماج الذكاء الاصطناعي في المصانع والمعدات وعمليات الإنتاج، يتيح تحويل الأصول الصناعية التقليدية اليابانية إلى ميزة في التدريب والنشر ضمن سيناريوهات عملية.
وتشير وكالة كيودو إلى أن الشركة الجديدة تأمل في الاستفادة من كميات كبيرة من البيانات المتراكمة في مواقع التصنيع اليابانية، مع التركيز على تدريب النماذج المتعلقة بالفحص والمعالجة. وهذه نقطة بالغة الأهمية. ففي الذكاء الاصطناعي المخصص للتصنيع، ما يحدد قدرة النظام ليس الخوارزمية وحدها، بل أيضًا ما إذا كانت البيانات صادرة عن عمليات صناعية حقيقية، وما إذا كانت تغطي معالجة الحالات الشاذة، وضبط الجودة، وتغيرات العمليات، وتنسيق المعدات. وإذا أمكن توظيف هذه البيانات بصورة منظمة، فقد تتاح لصناعة التصنيع اليابانية فرصة تحويل «الخبرة الضمنية» إلى قدرة ذكية قابلة للتكرار.
ومن منظور تقسيم العمل الصناعي، فإن تركيبة الشركات المشاركة في هذه الخطوة تحمل أيضًا دلالة لافتة. فسوفت بنك وNEC وهوندا وسوني هم المساهمون الرئيسيون، كما تشارك مؤسسات مثل بنك MUFG وفولاذ اليابان، فيما تدرس فوجيتسو وآساهي كاسي وياسكاوا إلكتريك الانضمام. وتدل هذه التشكيلة على أن الشركات اليابانية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تقنيًا معلوماتيًا منفصلًا، بل تضعه ضمن إطار سلسلة صناعية أوسع: حيث يشارك معًا رأس المال المالي، والتصنيع الصناعي، والمواد، والروبوتات، والسيارات، والإلكترونيات، وشركات البنية التحتية، في محاولة لبناء تحالف عابر للقطاعات في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأكثر ما يستحق الانتباه هنا هو نفس تعبير «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي».هذا يعني أن فهم الشركات اليابانية للذكاء الاصطناعي正在 ينتقل من «توليد المحتوى» إلى «التحكم في الحركة». ففي سيناريوهات الإنترنت الاستهلاكي، تتجلى قيمة النماذج الكبيرة أساسًا في توليد النصوص، والإجابة عن الأسئلة المعرفية، وأتمتة الأعمال المكتبية؛ أما في سيناريوهات التصنيع، فإن ما يحدد القدرة التنافسية حقًا هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع تمكين الروبوتات من التعرف على العيوب، وتعديل الحركات، والتكيف مع تغيرات البيئة، والحفاظ على الاستقرار في العمليات المعقدة. وبعبارة أخرى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة على مستوى الإدراك، بل أصبح جزءًا من أنظمة التحكم الصناعية.
وهذا مهم بشكل خاص لشركات الروبوتات الصناعية مثل ياسكاوا إلكتريك. فقد استُخدمت الروبوتات الصناعية على نطاق واسع منذ فترة طويلة في اللحام، والنقل، والتجميع، والفحص، لكن أنظمة الأتمتة التقليدية لا تزال محدودة المرونة عند مواجهة بيئات تصنيع متعددة الأصناف، صغيرة الدفعات، وكثيرة التبديل. وإذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي تعزيز قدرة الروبوتات على إدراك التغيرات البيئية واتخاذ القرار، فقد ينتقل ترقية الأتمتة في الصناعة اليابانية من مرحلة «الأتمتة بالبرامج الثابتة» إلى مرحلة «الأتمتة التكيفية».
وبالنسبة للصناعة التحويلية اليابانية، فإن أهمية هذا التغيير لا تقتصر على رفع الكفاءة.
فاليابان تواجه منذ فترة طويلة مشكلات مثل انخفاض عدد السكان في سن العمل، ونقص العمال المهرة، وصعوبة توريث المصانع بين الأجيال. وإذا أمكن للذكاء الاصطناعي والروبوتات معًا أن يتقاسما عبء العمل البشري في مجالات مثل الفحص والمعالجة واتخاذ القرارات الميدانية، فقد يصبحان أداة مهمة لتخفيف قيود القوى العاملة. والأهم من ذلك أن هذه التطبيقات لا تعتمد على اختراق مجرد في «الذكاء العام»، بل يمكن تطبيقها تدريجيًا في سيناريوهات صناعية محددة، لتشكيل قيمة تجارية قابلة للتحقق.
كما أن تقدّم الشركة الجديدة بطلب دعم مالي إلى وكالة الطاقة الجديدة والتكنولوجيا الصناعية والتنمية الصناعية في اليابان يدل أيضًا على أن الأمر ليس سلوكًا منفردًا لشركة بعينها، بل هو استجابة منسجمة مع اتجاهات السياسة الصناعية الوطنية. فقد شددت الحكومة اليابانية في السنوات الأخيرة على إعادة بناء أشباه الموصلات، والرقمنة، والأتمتة، والتصنيع المتقدم، ويصبح الذكاء الاصطناعي تدريجيًا طبقة وصل بين هذه الاستراتيجيات: فهو قدرة برمجية، وأداة لترقية التصنيع، وبنية تحتية للقدرة التنافسية الصناعية.
ومن منظور استثماري، فإن استعداد عدة شركات يابانية كبرى للدخول بحصص استثمارية بمبالغ محدودة نسبيًا يعكس أن موقفها من الذكاء الاصطناعي قد انتقل من الترقب إلى البناء التعاوني. وبالمقارنة مع تطوير الأنظمة بشكل منفرد، قد يكون المسار الأكثر جدوى هو مشاركة النماذج، ومشاركة معايير البيانات، ومشاركة التحقق من السيناريوهات، ثم تشكيل تقسيم للعمل من خلال التطبيقات العملية في كل قطاع. وهذه المقاربة تنسجم مع نمط الابتكار التحالفي الذي تفضله الشركات اليابانية عادة، وقد تكون أيضًا أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية من محاولات الاختراق الفردية التي تقوم بها شركة واحدة.
ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات واقعية أيضًا.
أولًا، رغم وفرة بيانات التصنيع، فإنها غالبًا ما تكون موزعة بين مصانع مختلفة، ومعدات مختلفة، وأنظمة شركات مختلفة، ما يجعل توحيد البيانات معيارياً أمرًا صعبًا. ثانيًا، لا تكمن عتبة تطبيق الذكاء الاصطناعي الصناعي في قدرات النموذج وحدها، بل أيضًا في مستوى التكامل العميق مع التحكم في خطوط الإنتاج، وأنظمة الروبوتات، ومعايير السلامة، وأنظمة الصيانة الميدانية. وأخيرًا، حتى إذا تشكلت لدى «الذكاء الاصطناعي المادي» قدرة تنافسية مبكرًا داخل اليابان، فإن توسيع نطاقه لاحقًا إلى أنظمة التصنيع الخارجية سيظل عاملًا حاسمًا في تحديد فضائه التجاري طويل الأجل.
لكن على أي حال، فإن هذا التوجه يوضح بالفعل أن المنافسة اليابانية في مجال الذكاء الاصطناعي لا تنوي تكرار مسار وادي السيليكون حرفيًا.من المرجح أن تختار اليابان مسارًا يتوافق بدرجة كبيرة مع بنيتها الصناعية الخاصة: الاعتماد على قطاع التصنيع كساحة للتطبيق، وعلى الروبوتات كطرف تنفيذ، وعلى البيانات الصناعية كأساس للتدريب، وعلى تحالفات الشركات والدعم السياساتي كطريقة للتنظيم. وهذا ليس نفيًا لاتجاه النماذج العامة الضخمة، بل هو نقل لثقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي من سؤال «من يستطيع تدريب نموذج أكبر؟» إلى سؤال «من يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية حقيقية؟».
إذا أمكن لهذا المسار أن يستمر في التقدم، فإن موقع الصناعة التقنية اليابانية في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية قد لا يظهر في أكثر قوائم النماذج بروزًا، لكنه قد يتجلى تدريجيًا داخل المصانع وخطوط الإنتاج والمعدات الصناعية. وهذه هي بالضبط طريقة المنافسة التي تعرفها اليابان جيدًا وتتقنها أكثر من غيرها: لا الظهور الصاخب أولًا، بل دمج التكنولوجيا في عمق السلسلة الصناعية، وانتظار تحولها إلى ميزة طويلة الأمد.
علامة تحريرية · japantechreview
تضع japantechreview هذه الملاحظة ضمن عناوين التكنولوجيا / الروبوتات والأتمتة / أشباه الموصلات في اليابان: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. عناوين التكنولوجيا / الروبوتات والأتمتة / أشباه الموصلات في اليابان يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.
Source links
- https://english.kyodonews.net/articles/-/76852Primary source